...
السبت 28 مارس 2020 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات د. أمل الكردفاني
مزاعم التهميش في السودان وتوزيع مناصب الولاة..
...
مزاعم التهميش في السودان وتوزيع مناصب الولاة..
02-25-2020 10:33




مزاعم التهميش في السودان وتوزيع مناصب الولاة..

د.أمل الكردفاني

التهميش، كلمة تستخدم كتخفيف من العنصرية، فهي تتجه إلى وصف فعل ناتج عن العنصرية. يمكننا أن نظل نناقش هذه القضية بلا نهاية، إذا استمر النقاش بشكل طوباوي، أو إذا استمر الحديث عن البحث في جذور المشكلة. حيث أن هذه المسألة ليس لها جذور وليس بالضرورة أن يكون لها جذور. ففي الكتاب المقدس أو العهد الجديد، رفض المسيح علاج الكنعانية ووصف الكنعانيين بالكلاب. وهذا زعم من كتبوا الانجيل وإن كنت أبرئ المسيح من ذلك. غير أن القضية العنصرية لا ترتبط بأزمةتاريخية. فلو وضعنا أطفالا رضع مختلفي الألوان في جزيرة معزولة، سوف تبرز العنصرية فيما بينهم مستقبلاً، فكل انسان يميل لمن يشبهه أو يقاربه، وهذه هي القاعدة العامة، أما الاستثناء فلا يقاس عليه.
لا توجد مسببات تاريخية للعنصرية في السودان، فحتى العبودية والحروب المختلفة لم تكن سبباً لنشأة العنصرية، بل كانت هي نفسها إما نتاجاً للعنصرية أو لا علاقة للعنصرية بها.
الشعوب السودانية عانت من العنصرية. أنا نفسي تعرضت للعنصرية ولا زلت ربما أكثر من النوبة أو الفور أو الجنوبيين سابقاً، وربما حتى من العنصر الزنجي أكثر من المستعرب الأقل سواداً، بسبب لوني، وربما أغلب من يطلق عليهم حلب في السودان عانوا من هذه المشكلة باستمرار، بما فيهم المغاربة والأقباط والأكراد..، لكننا كأقلية متمدينة استطعنا ولا نزال قادرين، على أن نتجاوزها عبر الحرف والمهن الخاصة، بحيث ننأى بأنفسنا عن المنافسة في الشأن العام. لقد قال نافع علي نافع لفاروق أبو عيسى ذلك وأمَّن عليها الترابي، فالترابي كان الأكثر صدقاً حينما قال بأن غازي العتباني لا يمكن أن يحلم بالوصول لمنصب رئيس أو خلافه، وهو ذات ما قاله عن النوبة أو الفور وغيرهم إذ يكون من الصعب القبول بالزنج أو من يطلق عليهم الشماليون، سراً أو علناً بالعبيد رؤساء للدولة. لكنهم أفضل حالاً من الحلب، إذ أن العنصر الزنجي يستطيع في كل الأحوال الحصول على وظائف عامة في درجات محددة لا يجوز تجاوزها. فالكباشي مثلا سيظل ناطقاً رسمياً لكنه من المستحيل أن يكون رئيسا للمجلس العسكري. وعدد الضباط من أمثاله والذين ترقوا إلى رتبة الفريق أقل كثيراً من الأعراق الشمالية. لكن العنصر الزنجي وبحسب قوته العددية وقبائله القديمة يوضع محل رعاية خلافاً للحلب من الأقباط والمغاربة وخلافه..إذ ليس لهؤلاء الحلب قوة عددية تمكنهم من تشكيل لوبي للضغط على الحكومات الشمالية باستمرار. ولذلك فأفضل فتراتهم هي فترات الحكم العسكري خاصة إذا لم يكن حكماً عسكرياً ذا صبغة آيدولوجية تعتمد على التمكين كما حدث في حكم الكيزان.
يمكننا مثلاً ملاحظة أن من حملوا السلاح ضد النظام من الزرقة كانوا يواجهون ولا زالوا برفض شعبي شمالي واسع ومستمر، في الوقت الذي نال فيه شخص كود ابراهيم تضخيما اعلاميا واسعا حينما حاول الاستيلاء على السلطة وفشل، فود ابراهيم مقبول لأنه يمثل المجموعات الشمالية ك(ابن بلد) وابن البلد هو الشخص الذي لا هو بالأبيض ولا بالأسود، إنه الشخص المتوسط اللون الذي ينحدر من القبائل الشمالية. في حين أن عبد الواحد مثلاً يستحيل أن يفكر حتى في رئاسة السودان، ومثله حميدتي، فهذه مسألة محسومة، أما وزير الدفاع السابق الحلبي الذي لا أتذكر اسمه، فأساسا لم يتحمله الشعب سوى بضعة أشهر وطرد من منصبه بعد تكريم سخيف من البشير.
مع ذلك فهذه المقومات التي تعتبر عمود الثقافة السائدة، ليست بدعاً في السودان فقط؛ فمثلاً في أوروبا ترفض شعوب أوروبا الغربية فتح باب العمل للأوروبيين الشرقيين وتفضل الأفارقة والعرب، وذلك لأنها تعرف أن العرب والأفارقة في كل الأحوال-وكالسودان تماماً- لن يصبحوا أسياد بلد، أما الأوروبيين الشرقيين فهم يتمتعون باللون الأشقر، والتحضر، والثقافة العالية، ومن الممكن خلال بضعة سنوات أن يستولوا على الدول الغربية الغنية. سنجد ان المانيا مثلا فتحت فرصة خمسٍ وعشرين ألف فرصة للعمل والهجرة، رغم أن بإمكانها أن تسد حاجتها للعمالة من دول أوروبا الشرقية الأقل غنى والأكثر تحضراً من العرب والأفارقة والآسيويين.
إذاً؛ فهناك أعمدة من الفوبيا النفسية تؤسس القرار الجماعي عند الشعوب، لقد سألت صديق جنوبي عن سبب استئثار الدينكا بالحكم وخوضهم حروباً مع باقي القبائل فأجابني بأن الدينكا هم الأكثر تعلماً، فقلت له بأن هذه هي نفس إجابة الشماليين عندما كنتم تطالبون بحقوق متساوية معهم.
افتراض تخلف الآخر أو عجزه هو مجرد مبرر كاذب لمن يمارس العنصرية، وبالتالي من يمارس التهميش، والتهميش هو انتقاص من حقوق الآخر ، وليس بالضرورة أن يتم ذلك بشكل قانوني كقوانين الابرتهايد أو النازية، إنما الأسوأ هو ممارستها بشكل اجتماعي..فالممارسة الإجتماعية لا تعني عدم الإندماج أو التزاوج، بل تعني أنها تؤثر عند اتخاذ صاحب السلطة لقراره في مواجهة الأفراد..خاصة أن صاحب القرار يمتلك سلطة تقديرية واسعة وفوق هذا إمكانية تبرير القرار المنتقِص لحقوق الآخر بحيث لا يبدو واضحاً أنه يخالف القانون. فالقانون بحر شاسع خاصة في دولة منهارة المؤسسية ، والقرار المتعسف غالباً ما يتخذ بمظهر بريء يخفي داخله نوايا سيئة.
لذلك فحل مشكلة الهامش لا تكمن في البحث عن أسباب العنصرية، لأن هذا يعني مضيعة للوقت بلا فائدة، إنما الحل هو في التأسيس لدولة القانون، وأقصد هنا القانون الأكثر دخولاً في التفاصيل، ومن خلال دولة المؤسسات، وأقصد بالمؤسسات ليس مجرد النسق الإداري بل فوق هذا المؤسسات المتمتعة بالشفافية والخاضعة للرقابة المستمرة، والمفتوح أبوابها أمام المساءلة والمقيدة بتلك القوانين. هنا يتم خلق دولة القانون والمؤسسات وتقوم دولة القانون والمؤسسات بدورها في تعزيز المساواة والمواطنة.
إننا في السودان لا يصلح أن نقوم بمحاصصات، فالمحاصصات التي تمت أفضت إلى المزيد من المشاكل، والآن يطالب البعض بتقسيم مناصب الولاة على أبناء الهامش وتحديداً زعماء الحركات المسلحة، وهذا في حد ذاته تأسيس وتقعيد للعنصرية، لأنه يستبعد حملة السلاح من صنع القرار في المركز، ويعترف بعدم أحقيتهم في أن يلعبوا دوراً مثيلاً كغيرهم. ومن ناحية أخرى فهو يعزز من فكرة حمل السلاح لأنه يؤكد أن الحقوق لا تنتزع إلا بالقوة ، وفضلاً عن ذلك، فما هو نصيب من لم يحملوا السلاح؟ ومن سيتحدث بإسمهم؟ ثم هل يعني توزيع الولايات على زعماء الحركات الثورية المسلحة يعني أنهم يمثلون جميع من في المناطق المهمشة؟..ثم من أعطى المانح حق المنح والمنع؟ ومن أعطاه صكاً بالملكية؟...والكثير من الاسئلة الأخرى.
إن الوضع الراهن لا يكشف عن إحتمالية أي تغيير مستقبلي بل ولا حتى يمنحنا تفاؤل منطقي، بل على العكس، هو يؤكد أننا نتجه من سيئ لأسوأ وأن النفق مظلم. فما يحدث يكرس للتهميش والعنصرية، بدلاً عن أن تكون هذه الفترة مؤسسة لبناء دولة المساواة..ليست المساواة بالمحاصصات، بل بالقواعد القانونية العامة المجردة...فالتجريد وليس المحاصصات هو ما يحقق العدالة المرجوة.

شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
PropellerAds
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 84
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 84


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google


د. امل الكردفاني
د. امل الكردفاني

تقييم
0.00/10 (0 صوت)