...
السبت 22 فبراير 2020 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات سيف الدولة حمدناالله
سجناء بأمر الدائنين !!
...
سجناء بأمر الدائنين !!
01-29-2020 12:56




سجناء بأمر الدائنين !!
سيف الدولة حمدناالله


لا يزال هناك ألوف من نزلاء السجون على ذمة ديون مدنية بموجب المادة التي أدخلها نظام الإنقاذ في القانون والتي تقضي بجواز الحكم بسجن المدين حتى السداد، وكنت قد تطرقت لهذا الموضوع قبل نحو خمس سنوات بمناسبة ما علمت به من قيام فاعل خير بسداد مديونية للاعب كرة سابق بفريق الهلال بعد أن قضى ثلاثة سنوات من عمره في السجن لعجزه عن الوفاء بدين، وبرغم ما أصاب الرجل من هذه المحنة إلاّ أنه شخص بخيت ومحظوظ، فلو أن الله لم يُوقف له إبن الحلال الذي قام بنشر قصته بالصحف اليومية، لأمضى الرجل بقية عمره بالسجن الذي كان قد قضي بأن "يبقى حتى السداد"، فقد كان المسكين على باب الله بعد أن تعرّض لخسارة في تجارته بحسب ما كُتب عنه، بيد أن خروج شخص واحد من السجن لا يضع نهاية لمأساة هذه المادة المشؤومة، فهناك آلاف من الرجال والنساء من غير ذوي الحظ الذين أمضوا سنوات ولا يزالون خلف أسوار السجون في إنتظار أقرب الأجلين، الوفاء أو الوفاة.
القاعدة في القانون، أي قانون، أن التعاملات المالية بين التجار والأفراد شأن خاص لا شأن للدولة بها، وأن واجب التحقق من الملاءة المالية للمدين ومقدرته على الوفاء يقع على الدائن الذي يتحمل وحده نتائج سوء تقديره بترتيب دينه على الشخص الخطأ، فالذي يبيع سيارته بالمؤجل لشخص مقتدر ومعروف لديه يكون قد أحسن في حق نفسه بخلاف الذي يقوم ببيعها بنفس الطريقة لعابر سبيل إلتقى به صدفة في دلالة العربات.
كما أن القاعدة تقول بأن الذي يضمن الدين هو ذمة الشخص المالية لا حريته، وأن أقصى وسيلة يلجأ لها القانون في حمل المدين وإجباره على الوفاء بالدين هي الحجز والتنفيذ على ما في ذمتة من أموال منقولة أوعقارية (بالترتيب)، والحجز على ديونه وحقوقه لدى الغير وفق الضوابط والشروط التي يفصلها القانون، ومنعه من السفر للخارج إذا كانت هناك خشية من هروبه ..الخ، فالدولة لا تتدخل في شأن الدين إلاّ بالقدر الذي يكون فيه عدم الوفاء به مقترناً بسلوك مادي من المدين يستلزم معالجته بسلطة الدولة وفي حدود واجبها العام نحو إستقرار المجتمع، وتطبيقاً لهذه القاعدة، تُجيز كثير من التشريعات جواز حبس المدين في السجن لإجباره على الوفاء بالدين ولكن وفق ضوابط وشروط معينة وفيما يُعرف فقهياً ب "الإكراه المدني".
وقد عرفت قوانين السودان قاعدة "الإكراه المدني" منذ قانون القضاء المدني (1929)، وظل معمولاً بها حتى قانون الإجراءات المدنية (1983) الذي كان سارياً قبل وصول نظام الإنقاذ للحكم، وقد كانت تلك القوانين تُجيز حبس المدين في السجن فقط في حالة رفضه الوفاء بالدين مع مقدرته على السداد، أو إذا فضّل المدين أحد دائنيه تفضيلاً غير عادل (كأن يوفي دين حديث بملايين الجنيهات لأحد الدائنين وفي ذمته دين قديم بمبلغ بسيط لدائن آخر)، أو إذا نقل المدين أمواله من ذمته أو أخفاها أو قام بتهريبها بعد رفع الدعوى لتفادي تنفيذ الحكم.
ومن المهم معرفة أن القوانين المذكورة كانت قد جعلت أقصى مدة لحبس المدين لا تتجاوز ستة أشهر، كما جعلت نفقات معيشة المدين بالسجن على حساب الدائن، وهذه المعلومة توضح مدى دقة المشرع وإعتنائه بالتفاصيل، إذ يريد المشرع من القاعدة الأخيرة أن يقول بعدم مسئولية الدولة عن نفقات حبس المدين وبما يؤكد ما تولينا توضيحه في خصوص الحدود التي تقف عندها واجبات الدولة.
هناك رأي يرى ضرورة التمييز بين الديون العادية، والديون التي تنشأ عن جريمة جنائية (مثل قضايا الشيكات)، حيث يرى البعض أن يقتصر تطبيق قاعدة "يبقى حتى السداد" على النوع الأخير دون الأول، وفي تقديري أن هذا الرأي هو الآخر غير سديد ويحمل نوعاً من المساومة لا معالجة المشكلة في إطار القانون، فالدين دين حتى لو كان منشأه جريمة، ذلك أن جبر الضرر الناتج عن الجريمة لا يعتبر جزءاً من العقوبة، فواجب الدولة حيال الجريمة هو توقيع العقوبة بما يحقق ردع الجاني وحماية المجتمع، لا أن تكون الدولة وكيلاً في تحصيل الديون التي تترتب على تلك الجرائم، ذلك أنه وبمجرد صدور الحكم الجنائي بالتعويض عن ضرر أحدثته الجريمة (كالحكم للشاكي بمبلغ الشيك المرتد مثلاً)، فإن سداد المبلغ المحكوم به ينفصل عن الحكم الجنائي ويخضع في تنفيذه لأحكام تنفيذ الديون التي سبق الإشارة إليها، فالأصل في القانون أن تُحيل المحكمة الجنائية موضوع التعويض وجبر الضرر للمحكمة المدنية ولا تقضي فيه إلا على سبيل الإستثناء الذي تقتضيه إعتبارات التلازم بين الدعويين المدنية والجنائية.
للقضاء دور كان يمكنه القيام به في معالجة هذا النص المعيب بما يخدم العدالة، وذلك بتضييق تطبيق هذه القاعدة المعيبة، أو حتى تعطيلها بالكامل مادامت لا تتسق مع قواعد العدالة، كما فعل مولانا دفع الله الحاج يوسف الذي كان قد أصدر منشوراً للقضاة إنحاز به للعدالة على حساب صريح القانون، حدث ذلك عقب صدور قانون عقوبات 1983 والذي كان ينص على عقوبة السجن والجلد والغرامة مجتمعات على معظم الجرائم، فأصدر منشوراً فحواه أن يقرأ القاضي (واو) العطف الواقعة بين كل عقوبتين كما لو أنها (أو).

شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
PropellerAds
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 49
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 49


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google


سيف الدولة حمدنا الله
سيف الدولة حمدنا الله

تقييم
0.00/10 (0 صوت)